العالم العربي بين مُستقبلين

يمُر العالم العربي بتحوُّل هو الأعمق منذ قرنٍ من الزمان. ثمَّة عوامل في هذا التحوُّل من شأنها أن تدفع العالم العربي إلى مزيد من التفكك، والعنف، والفوضى بدرجة أكبر ممَّا شهدنا في السنوات الخمس الماضية. ومع ذلك، يحمل هذا التحوُّل في قلبه تغيُّرات يمكن أن تنقذ العالم العربي، وتقوده إلى مسار جديد يُعيد إحياءه.

لم يكُن التطوُّر الذي شهده العالم العربي في السنوات القليلة الماضية متمثلًا في الانتفاضات، وتغيير الأنظمة، والحروب الأهلية فحسب، بل إنَّ سقوط النظام العربي الذي استمرَّ لسبعة عقود كاملة هو مناط هذا التطوُّر الذي أطلق شرارته تفكُّك الدول القومية التي أنشأتها بريطانيا وفرنسا في شرق المتوسط بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية. فقد انهارت سلطة الدولة المركزية في العراق وسوريا؛ وما تزال الفصائل السياسية المختلفة في لبنان غير قادرة على الاتفاق على رئيس منذ أكثر من عام ونصف العام؛ ليصبح لبنان قشرة دولة تتعهد فيها الحكومة بالإدارة والتنسيق، بينما تحتفظ المجموعات الدينية والإقطاعية بهياكلها السياسية وتحالفاتها الخارجية. وبعد ثماني سنوات من سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على قطاع غزة وقطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ما يزال تأسيس كيان سياسي فلسطيني متماسك حلمًا بعيد المنال.

وقد انهار أيضًا نظام الدولة القومية في الإطار الخارجي للعالم العربي؛ فانقسم السودان إلى دولتين مُتعارضتي المصالح الاقتصادية والتوجهات الاستراتيجية: يحكم الشمال رئيس أدانته المحكمة الجنائية الدولية، هو عمر البشير، ويغرق الجنوب في حرب قَبَلية متدنية الشدة. ولأكثر من عقدين من الزمن يحكم الصومال (البلد الذي يتحكَّم في موقع استراتيجي في مضيقٍ يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي) زمرة من أمراء الحرب. لقد خلقت الفوضى السائدة هناك تهديدات مُتعددة تؤثر في شرق أفريقيا: الأيديولوجية الإسلامية العنيفة، والقرصنة، والاتجار بالبشر. وعلى الجانب الآخر من المحيط العربي، على مقربة من شواطئ المحيط الأطلسي، سقطت الصحراء التي تفصل شمال أفريقيا عن غربها تحت سيطرة الإسلاميين المتطرفين الذين تُمثل «بوكو حرام» أكثر مجموعاتهم شهرة. ويُمثل الاتجار بالأسلحة، والمخدرات، والبشر الأنشطة الاقتصادية الرئيسة في المنطقة.

وقد أصاب الوهن مفهوم «المغرب العربي»، أي ذاك الجزء الغربي المتماسك من العالم العربي. فقد تحطَّم الأمل الذي أطلقته انتفاضة عام 2011 في ليبيا ضد العقيد معمر القذافي بعد انزلاق البلاد إلى حرب أهلية مُعقَّدة. ومع أنَّ اتفاقًا برعاية الأمم المتحدة قد عُقد في نهاية عام 2015، ما تزال البلاد تحت وطأة التخريب الذي تمارسه الميليشيات المختلفة، في حين أصبحت الأجزاء الشرقية والجنوبية من البلاد ملاذًا لجماعات عنف مُتصلة بمجموعات مماثلة في شرق المتوسط.

أمَّا الجزائر (أكبر دول المغرب العربي وثالث أكبر مُزودي أوروبا بالغاز) فما تزال عالقةً في التسوية السياسية التي أنهت الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضِ، وهي تسوية تسمح لبعض الجماعات الإسلامية بالعمل في البلاد وإن كان تحت قيودٍ ثقيلة. ولا تظهر في الأفق أيَّة إصلاحات سياسية أو اقتصادية حقيقية بينما تنتظر البلاد حائرةً تسويةً جديدةً ستعقب وفاة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

شقَّ المغرب طريقه بأمانٍ في خضم الاضطرابات التي أعقبت الانتفاضات العربية؛ فبدأ النظام الملكي تجربةً سياسيةً واعدة يزداد فيها تمكين البرلمان المنتخب والحكومة التي يُكلِّفها. إنَّ المغرب هو البلد العربي الوحيد الذي يتفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقية شاملة للتجارة الحرة. وبصرف النظر عن الفوائد الاقتصادية التي قد تجلبها هذه الاتفاقية، تعتقد السلطات المغربية أنَّ هذه هي الخطوة الأولى نحو تحقيق مواءمة مع الاتحاد الأوروبي. إنَّهم يحاولون بناء أقوى علاقة يمكن لدولةٍ غير عضوٍ في الاتحاد الأوروبي أن تتمتَّع بها مع الكتلة الأوروبية. وقد استطاع المغرب أيضًا أن يصبح، إلى حد معقول، مركزًا اقتصاديًا، وماليًا، وثقافيًا للدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية. وتجتهد إدارة البلاد على نحو متزايد في دمج ثقافات المجتمعات غير العربية (الأمازيغ بشكلٍ أساسيٍ) في نظمها التعليمية والفنية. كل هذا يبشر بالخير بالنسبة للمغرب، لكن الروابط التي تجمعه بالشرق العربي تزداد ضعفًا.

وتُعد تونس –الواقعة جغرافيًا في قلب المغرب العربي حيث انطلقت شرارة الربيع العربي- قصة النجاح الوحيدة التي تمخضت عنها موجة الاضطرابات التي هزَّت الدول العربية؛ فقد أتمَّت البلاد تحوُّلًا سياسيًا سلميًا وشاملًا، نقلها من أحد أكثر النظم السياسية العربية انغلاقًا قبل عام 2011، إلى أكثرها انفتاحًا وتحرُّرًا اليوم. على الرغم من ذلك، فإن الاختلافات بين العلمانيين والإسلاميين تتجاوز المواقف السياسية إلى حالة جلية من الاستقطاب المجتمعي المُنذر بالخطر، بينما تتسع فجوة التنمية بين المدن الساحلية والمناطق الداخلية بصورة سافرة. وبالإضافة إلى ذلك، لم ينتقل صدى النجاح النسبي الذي حقَّقته تونس إلى مختلف أنحاء العالم العربي إلَّا بقدرٍ محدودٍ. إنَّ تونس حالة فريدة من نوعها للأسباب التالية: صغر حجمها وديمغرافيتها، وتجربتها العلمانية المُتميزة في العقود الستة الماضية، ولتشكُّل التجربة التكوينية التي خاضها إسلاميوها منفيين في الغرب بدلًا من الحبس في السجون التونسية. تنظر دول المنطقة إلى تونس بإعجاب، لكنها لا تتخذها مثلًا يُحتذى.

وبينما تتفرَّق السبُل ببلدان المغرب العربي، تتوتر الصلات القديمة التي كانت تجمع ذلك الجزء من العالم العربي؛ مما يُنذر بنهاية مفهوم «المغرب العربي».

يُمكننا بقليلٍ من التجاوز أن نعُد مصر منطقةً قائمةً بذاتها داخل العالم العربي، نظرًا إلى تعداد سكانها البالغ حوالي ثلث مجموع تعداد العرب. أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، منذ تنصيبه في منتصف 2014، عدة مشروعات ضخمة تتسم بالطموح الكبير؛ مثل: توسعة قناة السويس، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية جدية (أبرزها تحرير أسعار الطاقة بدرجة كبيرة)، ولكن الطريق إلى الاستقرار الاقتصادي سيكون عملية طويلة. فبعد نصف قرن من تراكم المشاكل، تواجه مصر الآن تحديات جسيمة من شأنها أن تُبقي البلاد منشغلة بأزمات اقتصادية على المدى المتوسط، حتَّى في ظلِ أكثر التوقعات تفاؤلًا. لقد أدَّت الاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر منذ احتجاجات عام 2011 ضد مبارك، والمواجهة بين مؤسسات الدولة والإسلام السياسي – أدَّت إلى حالة من الاستقطاب المجتمعي لم تشهد البلاد لها مثيلًا منذ صعود القومية العربية في خمسينات القرن الماضي. ونتيجة للتحديات الشاقة التي تواجهها مصر، فان الجزء الأكبر من مخزونها الهائل من المواهب البشرية سيبقى بعيدا عن مواقع الفعل العام في العالم العربي.

أمَّا دول مجلس التعاون الخليجي (البحرين، والكويت، وقطر، وسلطنة عمان، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة) فتبدو مستقرةً داخليًا، ومتمتعةً بالرخاء والازدهار. كما أن تلك البلدان أيضًا هي التي تُدير كافة الملفات الاستراتيجية الناشئة من المنطقة، بما في ذلك الرد العربي على الاتفاق النووي بين إيران والغرب وإدارة الأزمات في العراق وسوريا.

ومع ذلك، ما يزال مستقبل الخليج غامضًا؛ فالتحديات الخَطِرة الكامنة التي تواجهها دول الخليج يُمكن للمرء كشفها بنظرة واحدة إلى أبعد من القشرة البرَّاقة التي تُحيط دبي، وأبوظبي، والدوحة. فمُن المُرجَّح أن تبقى أسعار النفط في مستوىً أقل من نقطة التعادُل بالنسبة إلى دول الخليج (من 60 إلى 70 دولارًا للبرميل) بسبب: تباطؤ نمو الطلب الحدي على الطاقة في الدول المستهلكة مثل الصين، وانخفاض تكلفة إنتاج مصادر الطاقة البديلة فضلًا عن الصخر الزيتي والغاز، وتصاعُد الانقسام الداخلي في منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك)؛ مما يجعلها عاجزةً عن أداء وظائفها. وهذا يعني أن دول الخليج ستفقد مصدر قوتها الأساسي (إن لم يكُن الوحيد): البترودولار.

وعلى المستوى الاجتماعي، تُنذر التركيبة السكانية في دول مجلس التعاون الخليجي بالخطر؛ فالأجانب يُمثِّلون أكثر من 70 في المائة من السكان وليس لديهم أيَّة حقوق سياسية مضمونة. وبالإضافة إلى ذلك، انخرطت دول الخليج في معارك مُضنية تفرضها المواجهة مع إيران، هذه المواجهة التي تتكشَّف حاليًا في مسارح مختلفة في شرق البحر الأبيض المتوسط وشبه الجزيرة العربية (آخرها في الحملة السعودية ضد الجماعات التي تدعمها إيران في اليمن). ونتيجةً لذلك، ستضعف قدرة دول الخليج على فرض الاستقرار في أجزاء أخرى من العالم العربي، ناهيك عن فصل أنفسهم من العلل التي تعاني منها بقية دول المنطقة. إنَّ ذلك قد يحدث بوتيرة ربَّما أسرع ممَّا يتوقع العديد من المراقبين – خاصةً الخليجيين.

ثمَّة تهديدٌ يواجه كافة أنحاء العالم العربي هو الأيديولوجية الإسلامية العنيفة؛ وهي ظاهرة كادت تخفُت في العالم العربي منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، لكنها عادت بضراوة. تسعى هذه الأيديولوجية ليس فقط إلى إسقاط الأنظمة التي تراها منشقةً عن الإسلام كما كان الحال في الفترة بين سبعينات القرن الماضي وتسعيناته، بل إنَّها الآن تسعى إلى تشكيل كيانات سياسية خاصة بها. جماعات مثل جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) توسع حضورها في شرق البحر الأبيض المتوسط، وتُقيم هياكل حكمٍ قد تبدو بدائية لكنها تتسم بالكفاءة، وتُقدم خدمات التعليم والرعاية الصحية لسُكان المناطق التي تسيطر عليها. وتحت حكم هذه الجماعات تنتكس أجزاء من العالم العربي إلى طرق في الفكر السياسي والثقافي تنتمي لقرونِ مضت.

ولا تقتصر قوى تفريغ العنف في العالم العربي على الأيديولوجية الإسلامية الجهادية؛ فقد قُتل في السنوات الخمس الماضية أكثر من 300 ألف عربي، ونزح أكثر من أربعة ملايين آخرين نتيجةً للحروب الأهلية، والصراعات الاجتماعية، وسفك الدماء – أحيانا برعاية دول. يُجهض هذا أي أملٍ في العدالة؛ ويُرسخ ثقافة الانتقام. والمهم هنا أنه لم تخضع أيَّة جريمة ضد الإنسانية حدثت في العالم العربي في السنوات الخمس الماضية إلى تحقيقٍ جادٍ، ناهيك عن تقديم الجُناة إلى العدالة. إن العديد من المجموعات الأن –الخارجة عن إطار الدولة المركزية- في جميع أنحاء المنطقة تسعى إلى حماية مجتمعاتها، مُدافعةً عمَّا تعُده حقوقًا، ومُطاردةً من تراهم مجرمين أو خونة. ويكاد يكون من المؤكد أنَّ هذه الموجة من العنف لن تنحسر قريبًا.

يحدث هذا كله في الوقت الذي يُعاني فيه العالم العربي مستوىً غير مسبوقٍ من الإقصاء الاجتماعي. فقد حاولت كافة الأيديولوجيات السياسية التي سيطرت على العالم العربي في السنوات الـ 150 الماضية أن تفرض نفسها على المجتمع بأسره. تمركزت رؤية الليبرالية العربية في أواخر القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ 20 حول إدخال الحداثة الغربية إلى المنطقة التي كانت عالقةً في سبات العصور الوسطى لعدة قرون؛ فأنشأت الحركة الليبرالية نظام التعليم الحديث، وغرست مفهوم الديمقراطية والمواطنة المتساوية، وساعدت العالم العربي في الانفتاح على موجات من الفن والثقافة دفعت نشاطًا إبداعيًا هائلًا، لا سيما في مصر وشرق المتوسط. لكن الليبرالية العربية لم تتمكَّن من توفيق نفسها مع التراث الديني والاجتماعي في المنطقة، ولم تتمكَّن أيضًا من توسيع حداثتها (بما في ذلك التقدم الاقتصادي والتنمية الاجتماعية) لتشمل الطبقات المتوسطة الدُنيا والفقراء في المنطقة. لقد ألهمت القومية العربية من خمسينات القرن العشرين حتَّى سبعيناته عشرات الملايين من العرب بنظام بدا وكأنَّه يجمع بين المساواة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. لكن هذا النظام قد فشل على المستويين الاقتصادي والتنموي – كما أنه على المستوى الانساني قد خذل الملايين ممن آمنوا به.

وبحلول تسعينات القرن الماضي، كانت غالبية الأنظمة القومية العربية قد أصبحت استبدادية، وقمعية، وصاحبة سجلات فظيعة في حقوق الإنسان. لقد حاولت الدولة في تطبيقاتها العربية طوال القرن الماضي أن تكون الحاكم، والراعي، والمُشرف على كافة الأنشطة الاجتماعية لجميع مواطنيها. لكن هذا لم يعُد قابلا للتطبيق. واليوم تُستبعَد شرائح اجتماعية كبيرة من العملية السياسية وتُحرم العدالة بسبب انتماءاتها الأيديولوجية أو خلفياتها الدينية. لقد أصبحت الدولة العربية انتقائيةً بشأن أيٍ من مواطنيها جديرٌ بالحصول على حمايتها أو حتى اعترافها بهم.

وحتَّى الشعور بالهوية قد أصابه خلل. على عكس ما اعتادت الدولة العربية الحديثة من محاولة فرض وجهة نظر معيَّنة بشأن هوية الدولة على كافة الشرائح الاجتماعية، يتصاعد اليوم اتجاهٌ قويٌ إلى استثناء الذين يعارضون الهوية التي تُقرها الدولة تمامًا من الانتماء للبلاد. فعلى سبيل المثال، يجري تصوير الإسلاميين في العديد من الدول العربية باعتبارهم معارضون لفكرة الدولة المركزية. ان هذا الفكر الاستبعادي يُمزق العالمَ العربيَ بينما قد انهارت كل أيديولوجية سبق أن غرست الشعور بالولاء في نفوس مواطني المنطقة. كل ذلك يؤدي إلى فراغ الهوية.

ولا تزيد الديمغرافية الأمور إلَّا سوءًا. فقد نضجت الغالبية العظمى من الـ 180 مليون عربي تحت سن الـ 35 في العقدين الأخيرين، وقت أن ضعفت الشرعية السياسية في جميع أنحاء المنطقة، وذابت الحواجز بين السلطة والثروة، وتحوَّلت الجمهوريات إلى إقطاعيات عائلية، ووصل الفساد وإساءة استعمال السلطة إلى مستويات مُروِّعة. لقد ساهمت أحداث السنوات الخمس الماضية في تفاقم الوضع بعد أن أصبح ما يقرب من 40 مليون شاب عربي (خاصة في العراق، وليبيا، وسوريا، واليمن) يعيشون في مناطق لا تحكمها سلطة مركزية ولا سيادة القانون. ومن ثمَّ ينهار مفهوم الانتماء لأيَّة هوية غير دينية أو غير قَبَلية.

ثمَّة خمسة ملايين لاجئ عربي على الأقل في شرق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا نتيجة للوضع المُتأزم في سوريا وليبيا. وقد استقرَّ معظمهم في بلدان ذات موارد اقتصادية محدودة خاصةً الأردن ولبنان؛ ممَّا يضع ضغطًا كبيرًا على التعليم، والرعاية الصحية، والنقل، والبنى التحتية التي تدعم الخدمات الأخرى في هذه الدول، ويثير أيضًا غضب المجتمعات المحلية التي تستضيف اللاجئين. يكاد التوتُّر يصل إلى مستوى الغليان في بعض أجزاء شرق البحر الأبيض المتوسط حيث تضاعف تعداد سكان بعض المدن والقرى في أربع سنوات. ستؤدي أيَّة ثورة غضبٍ إلى مواجهات بين هذه الجماعات المختلفة، ومن المحتمل أن تنجرف المجتمعات التي استضافت اللاجئين (واللاجئون أنفسهم) إلى توجيه الغضب ضد مؤسسات الدولة. وستكون النتيجة مزيدًا من العنف وإضعاف العلاقة (التي هي متوترة بالأساس) بين الدولة والمجتمع.

ويُمثِّل الفضاء العام العربي أحد الضحايا الرئيسيين لكل تلك العوامل؛ فمفهوم الوسط المشترك الذي تتولَّد فيه الأفكار والسياسات يفقد معناه في أعقاب تراجُع الدولة وضعف الهوية الوطنية، واستبعاد فئات اجتماعية واسعة، وفقدان فئات أخرى اتصالها بالسلطة المركزية. والنتيجة هي التفتت الاجتماعي، وزيادة الاستقطاب، وانهيار مفهوم المصلحة العامة.

ويتفاقم هذا الأثر نتيجةً لضعف المؤسسات العربية التي اعتادت تجاوز حدود الطبقات، والطوائف، والأيديولوجيات، موفرةً أماكن تجمُّع للشعوب من كافة أنحاء المنطقة ليُناقشوا شؤونهم. ان الكثير من المؤسسات الثقافية والصحفية العربيَّة التي كانت موقَّرة في وقتٍ مضى قد انحدرت إلى مستويات مُروعة من الاضمحلال الفكري.

وقد ضرب الفشل المؤسسات التعليمية العربية على مدى عقود. فلا تظهر أيَّة جامعة عربية في أي ترتيب ذي شأن في مجال التعليم العالي على مستوى العالم؛ ولا تكادُ تُذكر مساهمة العرب في مجال البحوث والتنمية العالمية في أي مجال علمي تقريبًا؛ وليس في المنطقة التي يسكنها 300 مليون شخص صحيفة، أو مركزًا فكريًا، أو مؤسسة فنية ذات سمعة دولية، ناهيك عن أن يكون لأيٍ منها تأثير دولي. وبانحسار الفضاء العام وتراجع المؤسسات الكبرى التي كانت بمثابة حصونٍ للفن والثقافة، تضعف الآليات التي خلقت تقدمًا كبيرًا في الفكر العربي، وانفتاحه على العالم، وإبداعه الأدبي والفني. وقد أدَّى ذلك إلى تخفيض حجم طبقة المثقفين العرب التي استوعبت ودعمت فيما مضى التنمية السياسية، والإصلاح الاقتصادي، وتمكين المجتمع المدني. لقد دخل العالم العربي في دورةٍ مُفرغة قد تجعله يفقد تدريجيًا سلامة أراضيه، وتماسك العديد من مجتمعاته، وإلى جانبهما صلته بتراثه الثقافي. أحد أهم الأخطار أن يظهر على الساحة – ربما قريبًا – جيل جديد من العرب لا يحمل أيَّ فهمٍ لتاريخه أو أيَّ تقديرٍ للحضارة التي ينتمي إليها، اسمًا على الأقل.

وممَّا يُنذر بالخطر هجرة العقول من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (خاصة العرب النابغين بين الأقليات الدينية) بسبب الفوضى، والاستقطاب، والعنف، والتراجع الفكري. قد يكون من الصعب الحصول على إحصاءات دقيقة، ولكن محادثاتي مع العديد من رواد المجتمعات المحلية (داخل العالم العربي وخارجه) تشير إلى زيادة مُعدلات الهجرة من المنطقة – بذات بين من لديهم فرصة الاستقرار في أوروبا أو الولايات المتحدة – وهم في الأغلب الذين حصلوا على أفضل تعليم، وانفتحوا على العالم، ويملكون نصيبًا لا بأس به من الاستقرار المادي. كل ذلك يزيد من فقدان العالمَ العربيَ لأذكى عقوله الشابة. ان هجرة الأقليات الدينية بالذات سيكون لها نتيجةً أكثر خطورة: تقليص المُكوِّن الاجتماعي غير الإسلامي في العالم العربي. وبمنظورٍ عملي، فإنَّ ذلك سيحرم العروبةً السِمة التي ميَّزتها عن العالم الإسلامي؛ ولذلك تبعاته على الهوية.

ويعاني العالم العربي شكلًا آخر من أشكال الهجرة: الهجرة الداخلية. لقد انتهى الأمر بالعديد من الموهوبين والليبراليين العرب إلى الاعتقاد بأنَّ العمل خارج حدود مجتمعاتهم التقليدية سوف يُأمِّن مستقبلًا أفضل لهم ولأسرهم؛ فعزل الكثيرون منهم أنفسهم عن مجتمعاتهم. إنَّهم يعملون في شركات مُرتبطةً بالاقتصاد العالمي أكثر بكثير من اقتصادات بلدانهم (خاصةً في مجال الخدمات التي تحتاج الى مهارات عليا)؛ ويعيشون في تجمُّعات سكنية معزولة أو ضواحي مُورقة الأشجار بعيدًا عن المدن الكبيرة في دولهم؛ ويُرسلون أبناءهم إلى المدارس الأجنبية والجامعات الغربية؛ وحتى في ما يتعلَّق بوسائل الترفيه فقد احتجبوا في المسلسلات الأمريكية مثل (House of Cards) و (Breaking Bad) والسينما المُستقلة. لقد أصبحوا كالغُرباء -عقليًا وعاطفيًا وقِيَميًا- وهُم داخل مجتمعاتهم.

ولتلك العوامل كُلفة اقتصادية لا يُستهان بها؛ فالهجرة والانفصال الفكري يدفعان هذه الشرائح التي تتمتَّع بالقوة الاقتصادية إلى الحد من استثماراتها في بلادها والانفتاح على واقعها. ومن ثمَّ يتقلَّص الاستثمار المحلي وتُخلق فرصُ العملِ ببطء؛ وهي نتائج بالغة السوء بالنظر إلى التركيبة السكانية في المنطقة العربية التي تتسم بغَلَبة الشباب وانخفاض القدرة التنافسية.

لقد حلَّ اليأس محل الأمل الذي وُلد مع «الربيع العربي» في أنَّ الشرق الأوسط سيتجه أخيرًا نحو الديمقراطية الليبرالية؛ مما حدا بالمراقبين الدوليين إلى فصل العالم العربي عن سائر العالم باعتباره منطقةً تُحكم وتُفكر بعقلية القرون الوسطى، منطقة في طريقها إلى «الخروج من التاريخ».

ولكن في ظل الاكتئاب الذي يُسيطر على الجو العام تظهر تطوُّرات واعدة. فمنذ منتصف العقد الأوَّل من الألفية الثالثة، أصبح القطاع الخاص – لا القطاع الحكومي ولا المستثمرين الأجانب – في كافة الدول العربية تقريبًا أكبر مُوفرٍ للوظائف وأكبر مُزودي رؤوس الأموال الاستثمارية. وللمرة الأولى منذ أكثر من ستة عقود، تملك الآن شرائح اجتماعية كبيرة العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة في كافة أنحاء المنطقة تقريبًا، ويعملون في شركات القطاع الخاص، ولديهم اتصال كبير بالعقارات وأسواق رأس المال في اقتصادات بلادهم. إنَّ تطلُّعات هذه الفئات آخذة في الصعود؛ فقد وفَّرت لهم الاتصالات الرقمية الحديثة (ولغيرهم من الطبقات الاجتماعية الأدنى) إمكانات هائلة غير مسبوقة، وجعلتهم منفتحين على أنماط الحياة وأنماط التفاعل الاجتماعي في أجزاءٍ أخرى من العالم. يؤمن الكثير من الشباب العربي الآن بأنَّهم جديرون بحياة أكثر إشباعًا بكثيرٍ من تلك التي عاشها آباؤهم. ولم يؤدِ هذا إلى تغذية الأذواق الاستهلاكية فحسب، بل اضطر بعض أنظمة المنطقة أيضًا لإظهار دعمها مفاهيم مثل سيادة القانون، ومحاربة الفساد، وتخفيف التركيز الاقتصادي للسُلطة، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرارات وفرض الرقابة على السُلطة التنفيذية. لم يكن من قبيل المصادفة أنَّ كافة الدساتير العربية التي صيغت أو عُدلت خلال السنوات الأربع الماضية تُكرس هذه المفاهيم. وبغض النظر عن درجة وضع الدساتير موضع التنفيذ، فان فرض هذه المفاهيم على جدول الأعمال الوطني في العديد من الدول العربية التي وجدت أنفسها مضطرةً للتصدي لقضايا مثل هذه لهو خطوةٌ قيمةٌ.

وثمَّة تطوُّر أهم يجري بعيدًا عن الدول والدساتير؛ فمالكو الشركات الصغيرة والمتوسطة (من روَّاد الأعمال، وأصحاب الأصول الرأسمالية، والعاملين في القطاع الخاص) يُشكلون تدريجيًا قطاعات نامية داخل الطبقات الوسطى في المنطقة العربية، وهم أكثر نشاطًا وانخراطًا في اهتمامات مجتمعاتهم من الجيلين العربيين السابقين. هناك نشاط واضح في العديد من النقابات المهنية العربية، والنقابات العمالية، وجمعيات المزارعين، والاتحادات الطلابية، بشكلٍ يتجاوز عقد انتخابات حرة لاختيار مجالسهم التنفيذية إلى عقد مناقشات جادَّة عن أبرز السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مثل المناقشات الاجتماعية التي جَرَت في العامين الماضيين بشأن استراتيجية أقلمة المغرب، وتحرير أسعار الطاقة في مصر، وإصلاح ميزانية الكويت الوطنية.

ولعل التطوُّر الجاري في الفن العربي الحديث هو أبرز التطوُّرات الواعدة؛ فمنذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة تُصوِّر السينما العربية، والأدب، والمسرح مزيجًا من سخطٍ على الظروف القائمة، وبحثٍ عن عقود اجتماعية جديدة، بالإضافة إلى خطٍ ثوري واضح. لن يقبل هذا الجيل من الشباب العربي ما يُعطى له أو يُفرض عليه. ويستمر هذا الاتجاه على الرغم من مرور خمس سنوات تقريبًا على اندلاع الانتفاضات العربية. ثمَّة سمة مشتركة بين أنجح مجموعات الشباب العربي في مجالات الموسيقى، والمسرح، والرواية، وحتَّى المهووسين بألعاب الفيديو والحاسوب؛ ألا وهي صبغ فنونهم بصبغة الابتكار، وفتح آفاقٍ جديدة، والتمرُّد في كثيرٍ من الأحيان. إنَّهم لا يحملون الكثير من الاحترام للتقاليد والأعراف السائدة منذ أربعة عقود أو خمسة.

ولم يبتعد الاتجاه إلى التجديد عن الطريقة التي ينظر بها الشباب العربي إلى الدين؛ إذ تسعى مجموعات من شباب المسيحيين، خاصة في مصر ولبنان، إلى تحديث طرق اتخاذ القرارات في الكنائس التي ينتمون إليها. كما يُعيد الكثير من شباب المسلمين اكتشاف تراث دينهم سواء كان ذلك عبر برامج تلفزيونية، أو عبر عشرات المواقع وصفحات «فيسبوك». في كل هذا، يتجلَّى رفض طرق للتفكير كانت مهيمنةً في العالم الإسلامي السني لمدة لا تقل عن ثمانية قرون، كما تظهر احيانا محاولات لصياغة طرق فهمٍ جديدةٍ لمبادئ العقيدة الإسلامية.

ونتيجةً لكل ذلك، تحاول مجموعات من الشباب العربي تجديد جوانب مختلفة في مجتمعاتهم، مثل طرق معيشتهم وصلاتهم بهوياتهم. وعلى الرغم من الظروف المأساوية في السياسة العربية والإخفاقات الهائلة التي مُنيت بها أجزاء كبيرة من المجتمعات العربية في العقود الماضية، تُثمر جهود الشباب في هذه المجتمعات عن ازدهار ثقافة جديدة راعية للابتكار والاختراع.

من المُرجَّح أن تتعزَّز هذه التطورات؛ فنكاد نُجزم أنَّ الشرائح الاجتماعية القائمة عليها ستكتسب زخمًا جديدًا، وستتحكَّم في المزيد من الموارد، وربَّما لا ينتهي العقد المقبل قبل أن تصبح هي القوة المُهيمنة في معظم الاقتصادات العربية. ستوسع منظمات المجتمع المدني دوائر شعبيتها، وسيزيد نفوذها في دوائر اتخاذ القرار في مختلف المجالات، وستصبح قوةً حاسمةً في عملية تحليل القضايا الاجتماعية والاقتصادية المهمة واتخاذ القرارات بشأنها. كل هذا من شأنه خلق مسرحًا جديدًا للحركات المدنية لم يشهده العالم العربي منذ نهاية عصره الليبرالي.

لن تحل هذه التطورات كافة المشكلات التي تواجه العرب. فمن جهة الجغرافيا السياسية، سيستمر العالم العربي في مواجهة خطر التقسيم. أغلب الظن ستستمر عملية إعادة تشكيل كاملة لمنطقة شرق المتوسط، وستُقسَّم الدول التي ظهرت عقب الحرب العالمية الأولى حسب نظام جديد تُبنى الدول (أو الدويلات) فيه على مرجعيات طائفية لا مواربة فيها. ومن المُرجَّح أن تواجه دول الخليج اضطرابات اجتماعية خَطِرة. ومن شبه المؤكَّد أنَّ بعض دول شمال أفريقيا ستشهد موجةً جديدةً من الانتفاضات.

ولكن الجغرافيا السياسية لن تكون العامل الحاسم في مستقبل العالم العربي؛ فذاك العامل سيكون الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية. إذا تمكَّنت القوى التقدمية في القطاع الخاص، وفي المجتمع المدني، وفي الساحة الفنية في العالم العربي من بسط وجودها، فإنَّ النتيجة ستكون طفرةً في نوعية الفكر في المجتمعات التي ستترسَّخ فيها هذه التطورات. وسيخلق هذا دورةً إيجابيةً ستكون مؤسسات الدول العربية أحد أكبر المستفيد منها؛ فستضطر المؤسسات آنذاك إلى رفع مستوى طريقة عملها بهدف اللحاق بركب القطاع الخاص الآخذ في التطوُّر والمجتمع المدني الذي يكتسب أرضًا أكثر صلابة يومًا يعد يوم.

ولسنا بحاجةٍ إلى القول إنَّ هذا سيؤدي إلى العديد من التحسينات الاجتماعية والاقتصادية التي ستنحصر-في البداية- في مجتمعات عربية بعينها، ثمَّ ستمتد تدريجيًا إلى أجزاء أخرى من المنطقة. من شان هذا كله أن يُخفف حدة الاستقطاب ويُعزز تدريجيًا حالة التماسك الاجتماعي. لكن الأمر الأهم هو أنَّ ذلك سيُمثِّل تحوُّلا في الفلسفة التي شكَّلت العالم العربي في المائتي سنة الماضية: الانتقال من فرض السُلطة، والأفكار، ورؤية العالم من الدولة على شعبها (أي من أعلى إلى أسفل) إلى عملية تفاعلية تبدأ من المجتمع وتنتهي بالدولة تُصبح فيها الطبقات المتوسطة قوَّة رئيسية في بلادها بتمثيلها عبر قطاع خاص ومجتمعات مدنية كبيرة، ومتنوعة، ودينامية، ومستقلة.

ولكن ثمَّة سيناريو آخر قد تؤول إليه الأحداث. فهذه التطورات، والقوى التي تدفعها، يُمكن أن تنمو على نطاق ضيق. ويُمكن لصداها أن يظل مُقتصرًا على شرائح مُعينة من الطبقات الوسطى العليا في البلاد العربية. وهذا يعني أنَّ العوامل التي تُثقل كاهل المنطقة ستفوق وتيرة هذه التطورات، وتعزلها، وتجعل تأثيرها كبراعم خضراء صغيرة في منطقة شديدة الاضطراب.

لن ينهار العالم العربي في المستقبل المنظور؛ فستبقى بعض الدول العربية مُحافِظة على وجودها حتَّى لو استمرَّ الحال على ما هو عليه (مع كافة العوامل التي تدفع المنطقة العربية باتجاه التآكل). هناك ما يكفي في المنطقة من رأس المال، والقوى المادية، ووسائل القمع لضمان أنَّ النظام يُمكنه البقاء على قيد الحياة في عدد من الدول الكبيرة، على الأقل خلال العقد المقبل. كما أن بعض الدول العربية قديمة للغاية، وتملك هياكل السُلطة فيها خبرةً مديدةً تعصمها من السقوط في فخ الفوضى المُطلقة. في هذا السيناريو ستسعى هذه الدول الباقية والمحافظة على تماسكها إلى دفع الفوضى الضاربة حولها بعيدًا عن حدودها – ولكن، إذا تحقَّق هذا السيناريو، فستصبح فكرة العالم العربي مقصورةً على الكلام.

يُمهد هذا السيناريو الطريق أمام عواقب وخيمة قد تجعل العالم العربي غير ذي صلةٍ بأغلب ما تُحققه الإنسانية من تقدُّم في مجال العلوم والتكنولوجيا، وما تصل إليه من إضاءات جديدة في الفكر والتطوُّر البشري. حينئذٍ يصبح العالم العربي عبئًا على العالم على نحوٍ متزايد، وأحد أهم مُصدِّري المشاكل لبقية المجتمع العالمي. سيسعى الكثيرون في العالم (خاصةً في أوروبا جارة العالم العربي الكُبرى) إلى النأي بأنفسهم عن العالم العربي، وسيتعاملون معه ليس باعتباره «الرجل المريض» فحسب (كما وُصفت الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر)، ولكن باعتباره «قنبلة» يجب على العالم أن يمنع انفجارها دائمًا – على الأقل بسبب تركيبتها السكانية الكبيرة. وسيتراوح التفاعل الدولي مع العالم العربي بين المساعدات الاقتصادية أو السياسة الواقعية في التعاون مع الأنظمة القوية الباقية فيه؛ وكُلُها جهودٌ مُختلفة لتجنُّب انفجار القنبلة.

لا يلزم أن ينتهي الأمر هكذا؛ فبإمكان المساعي التقدمية والإصلاحية التي يتبنَّاها القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمفكرون، والفنانون، والشباب المبتكر إنقاذ العالم العربي من مثل هذه الخاتمة المؤلمة. إنَّ هذا الصراع -في قلبه- يدور بين ماضٍ قريبٍ فاشل (في نصف القرن الماضي) لا يرى القُبح الذي يُمثِّله، وبين جزء شابٍ واعدٍ من الحاضر يعي المأزق الذي يواجه، ويريد أن يشق مستقبلًا أفضل لنفسه ومجتمعاته. لذلك فإنَّ العامل الحاسم في مستقبل العالم العربي هو ما إذا كانت القوى التي يمكنها إنقاذ المجتمعات العربية من هذا الماضي -تلك التي تجعل أجزاءً من الحاضر واعدةً- ما يزال لديها المثابرة في إحداث تحسينات صغيرة ولكنها مُتكررة في التعليم، والانفتاح على العالم، وتعزيز التسامح، ومحاربة تركيز السلطة، والمطالبة بالحقوق السياسية والإصلاحات الاقتصادية التقدمية، وفضح الفساد، والأهم من هذا كله: التفكير مُطوَّلًا في السبب الذي جعل تجربة الحداثة في العالم العربي في المائتي سنة الماضية تنتهي إلى حيث هي الآن، مع أنَّ بدايتها كانت واعدةً في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

إذا أثبتت هذه القوى مثابرتها، فإنَّ العالم العربي لديه فرصة لبعث عناصر تراثه الغني الجميل. قد ينجح بعض شبابه في وضعه على مسار جديد يُعيد إليه شبابه. وإذا لم يحدث ذلك فإنَّ العقد المقبل سيكونُ شديد الوطأة على العالم العربي، وعلى أولئك المُضطرين للتعامل معه.                 ترجمة: أحمد الخطيب